High Noon

تنطلق سينما الغرب الأمريكي أو الكاوبوي رعاة البقر كما يحلو لنا تسميتها بجمعها للمحلية و العالمية معا، في المنطلق و الصدى، فبلاد العام سام عرفت موجة هرجة بحثا عن الذهب و صار الغرب القديم حلما لماعا براقا بلون المعدن النبيل، و تأثرت سينما هذا اللون الشهير بأسلوب العراب الياباني الكبير "أكيرا كوروساوا"، بفيلمه الملحمي (الساموراي السبعة)و الذي إمتد مدى تأثيره على السينما الهولييودية جميعا و أفلام الغرب تحديدا، و هذا التأثير ظهر بشكل مباشر بالفيلم المكرر لملحمته و المدعو ( العظام السبعة) و الذي تم محاكاتاه عربيا حتى بفيلم عادل إمام (شمس الزناتي)، و بشكل عام تجلت تأثيرات كوروساوا من خلال الثنائية القطبية للحبكة و بساطتها، فهناك قطب خير يقابه قطب شرير و بينهما رماديون يتلونون بلون المنتصر و أكياس ملاكمة تقع عليها طامات المعارك أو المظالم أو تستدعي الإنقاذ و التدخل، و لذا صارت شخصيات الكاوبوي علامات مسجلة، في جملها و كلماتها و في تصرفاتها و معاركها الثنائية أو العارمة، و حتى في موسيقاها الجافة و الصارخة و التي تتغنى بحر الصحرا و تلون الحرباء التي تراقب نهاية معركة موت و حياة، معركة خير و شر ، تنطلق من بساطتها لتعقيدات غير غائرة في تركيب الشخصيات و الأحداث، و فيم قد يظن بهذه المزايا سلبيات فهي على العكس مثلت إيجابيات جعلت الجمهور يتعلق بشخصيات و بمشاهد و مواقف و جمل أصبحت تجري مجرى الأمثال السائرة، و صارت سينما السهل الممتنع التي قدمت روائع تمت إعادة إنتاج بعضها و قل رصيد إنتاج مثيلها فقلما صار بين المنتوج الحديث فيلم وسترن مثيرا للإنتباه .
هذا التقهقر مس الجانب التجاري و الفني، و تضائل زخمها الذي كان يغري كبار الممثلين مثل كلينت إيستوود و بول نيومن و جون واين و كريك دوغلاس و ممثلنا لهذا الفيلم غاري كوبر، و منذ
رائعة كلينت إيستوود (اللامتسامح) الذي إرتبط إسمه بهذه السينما ممثلا و
مخرجا و (جينغو هاربا) لترانتينو فلم تقدم ما يشار له بالبنان وطغت أكثر الريميكات و إعادة الإنتاج لبعضها
كـ(3:10 إلى يوما) و (true grit) ما يدل على على نضوب أفكار و عدسات صناع
هولييود الحاليين و عجزهم عن مقارعة ما سبق و قدم منها، و كلاسيكياتها لا تتفوق في
مجالها فقط بل و تبلغ أن تكون روائع سينمائية بشكل عام و هنا تبرز عدة
عناوين كـ( المطاردون) و (العظماء السبعة) -ريميك لفيلم كوروساوا الساموراي
السبعة- و بوتش كاسيدي و هاد و غيرها، إلى جانب فيلمنا (High Noon)
إن كان العظماء السبعة ريميكا لفيلم كوروساوا ففيلمنا تجسيد لتأثر سينما
الكاوبوي بكوروساوا إنتقالا لشكسبير، و صارت فيه البلدة مسرحا مثاليا لصراع الخير و الشر و
التداخل بينهما أين لا يمكن تمييز الخيط الأبيض من الأسود من فجر بازغ عن
ليل ذو ظلام حالك، ضمن تداخل لنوازع النفس البشرية بين الخير و الشر و الذي
تحمل منها قدرا تنافسيا يسبق كل منهما الأخر كحرب سجال يوم لهذا و آخر
لذاك أو كسباق جري يتجاوز فيها المتسابق منافسه هنا ليتراجع عنه هناك، في
سلسلة تنتهي عند خط الوصول و تنقضي في نوازع النفس البشرية بإنقضاء أجل
صاحبها .

يطرح مفهوم العدالة بالفيلم ببرغامايتا نسبيا تنحاز فيه للأقوى، و تظهر فيه الإنهزامية و النأي بالنفس و السلبية التي تنادي بنجاة الأنى حتى وسط الوضع العام الخطأ، فرانك ميلر مجرم قبض عليه المأمور ويل كاين (غاري كوبر) و يطلق صراحه و هو عائد في قطار الظهيرة،
كي يعوث فسادا كما سبق و فعل، و ظهر الجميع يحملون الخطأ كله
لكاين، و كرمزية نرى تعاطي المجتمعات و الكيانات السياسية مع رمو الجريمة، تبرير و مهادنة و إستقبال بحفاو أحيانا و مسح للخطايا و دخول كمنتصرين، بمقدار قذر و مخيف من التلون و القفز من ضفة إلى آخرى بكل سلاسة مرعبة ، القرية الآمنة تفيق على خبر وصول قطار الظهر يحمل مجرم صال و جال
بها فقتل رجالها و إنتهك حرمة نسائها و روع أطفالها، و لكن عودته لم تحرك
ساكنا، بل كانت كما يبدو بمثل جزائري يدور بين شخصين، يقول الأول للثاني "
يوجد هناك حريق" فيرد "تخطي -أي تتجاوز- دوارنا و تفوت-أي تمر-" يعود الأول
" هو الآن في دوراكم"، فيرد " تخطي درانا-منزلنا- و تفوت"، و يعود الأول"
هو الآن في داركم"، فيرد " تخطي راسي و تفوت "و بذات المنطق يواجه مجمل سكان البلدة المأمور في رحلته بينهم ليواجهوا
معه المجرم العائد في قطار الظهيرة رفقة ثلاثة من أصدقائه الذين ينتظرونه
في المحطة، و و لكل بحجته، فمن من يربط مساعدته بمصلحة بتزكيته في منصب المأمور، و منهم من
يساند ميلر جهارا و منهم من كان يستفيد منه تجاريا ، و لم يغفل الخطاب السياسي الديني أو جعل الدين حجة أغارض سياسية بحتة ففي الكنيسة أمسك السياسي زمام الكلام لينتهي بلوم
المأمور و و يطلب منه ترك القرية جاعلا منه أصل المشكلة و سبب بقائها .
أما المأمور نفسه فلم يظهر من سبب قوي جدا لبقائه
، فالبلدة إنتهى عمله كمأمور بها، و كان تزوج لتوه، و على الأغلب فغير
إحتمال ضئيل لمطاردة ميلر له فبقاؤه لم يأتي من غير شعوره بالمسؤولية
لشارته و إحترامه لها و حسه للعدالة، و هو الذي لم يخفت رغم تخلي الجميع
عنه بما فيهم عروسه و ظل بإنتظار خصمه ليواجهه وحيدا .

عرف عن الفيلم إختلافه في ثيمات سينما الوسترن، في البطل نفسه و طبيعته و أبعاد شخصيته، و في الصراع الغائب الحاضر، فلعله أبعد فيلم عن القطبية التقليدية و أقربها لإسقاطات رمزية عن خذلان مجتمعات و أنظمة لروح العدالة بها، و بدا كوبر أقرب للإنسان، الذي إعتراه الشك و إرتعدت يداه لوهلة و هو يواجه مصيره وحده، لم يتركه و يفر، و لكن إنتصاره لتلك العدالة ضئيل مع هزيمة المجتمع للشر.الطريقة
المسرحية بدت واضحة في العمل خصوصا في الحوار و نوعيته و خصوصيته و في
طريقة أداء الممثلين و في التصوير و التركيز على وجه و ملامح الممثل و
تأثيراته و هذا كله أيضا من مظاهر السينما الكلاسيكية ، كما عرف العمل
أداءا رائعا لغاري كوبر ضمن بطولة شغلت أكثر العمل ، بأداء من ضمن أفضل
الأداءات في التاريخ نال عنه أوسكاره الثاني ، و لعبت الموسيقى الريفية دورا ممتازا في إضفاء
الأجواء القاتمة على البلدة و أجواء الإنتظار لعودة ميلر، و الذي نرى
تأثيره على مدى الفيلم رغم دوره القصير، الممتد على بضع مشاهد ، و كانت
للديكورات و لمشاهد المعارك دور ممتاز ، و لا يمكن إغفال زوايا التصوير و
رمزيتها ، و هنا يحضر ذكر مشهد حلول منتصف الظهر و وقوف ويل كاين وحيدا في
إنتظار ميلر، و يعود المخرج زينمن بمشهد ختامي عبقري عندما يخرج أهل البلدة
من الغوغاء ليشهدوا نتيجة نهاية المعركة و يهللوا، و لكن لمن ؟؟؟للمنتصر طبعا !